في خضم السعي المحموم من جهات رسمية و أهلية قطرية لمساعدة قطاع الاعمال النسائي على النمو والثبات في مواجهة العوائق التقليدية و الاستثنائية لسوق العمل، تبرز الحاجة إلى التركيز على بعض الأدوات التقليدية والمقاربات المباشرة لتحقيق هذا الهدف، وفي مقدمة هذه الأدوات التركيز على المشاريع التي تتميز فيها المرأة كعالم الطعام و الأزياء، ودفع رائدات الاعمال القطريات إلى البدء في مشاريع صغيرة أو متوسطة الحجم من أجل تقليل حجم الواجبات و المسئوليات العملية و المالية التي يجب عليهن تحملها ، وتدريبهن في نطاقها المحدود على مهام الحياة العملية و الإدارة بشكل يقلل من المخاطر و يعظم المكاسب.

وسيحاول تحقينا التالي أن يسلط الضوء على أهمية المشاريع الصغيرة والمتوسطة وشرح مفهومها، واستطلاع رأي الخبراء حول دور هذا القطاع المتسارع النمو في الحياة الاقتصادية القطرية، وكيف يمكن استخدامه لإفساح المجال أمام العدد الأكبر من رائدات الاعمال القطريات.

عالم متسارع واقتصاد يعاني من مشاكل متتالية

خلال العشرين عامًا الماضية، شهد الاقتصاد العالمي تحولات جذرية ومواجهة تحديات متعددة. بدأت الفترة بانفجار فقاعة التكنولوجيا في أوائل الألفية الجديدة، مما أدى إلى ركود اقتصادي في العديد من الدول المتقدمة. تلا ذلك الأزمة المالية العالمية في عام 2008، التي كانت نتيجة للإفراط في المخاطرة المالية والتي أدت إلى انهيارات مصرفية وأزمات ديون سيادية، خاصة في أوروبا. في السنوات التالية، واجه العالم تباطؤًا في النمو، مع تزايد الديون العامة والخاصة، وتفاقم عدم المساواة الاقتصادية.

ويشرح لنا الخبير الاقتصادي السيد سعد الرميحي أنه مع بداية العقد الثاني من الألفية الجديدة، برزت تحديات جديدة مثل التغيرات الديموغرافية، والتوترات التجارية العالمية، والتحولات التكنولوجية التي أعادت تشكيل سوق العمل. كما أدت السياسات الوقائية والنزاعات التجارية، خاصة بين الولايات المتحدة والصين، إلى زعزعة الثقة في النظام التجاري العالمي. وفي الوقت نفسه، أدى الابتكار التكنولوجي إلى خلق فرص جديدة ولكنه أيضًا ساهم في تفاقم البطالة الهيكلية.

وصلت التحديات إلى ذروتها مع جائحة كوفيد-19 التي اجتاحت العالم في عام 2020، مما أدى إلى تعطيل الأنشطة الاقتصادية وإغلاق الحدود وتعطيل سلاسل التوريد العالمية. أدت الجائحة إلى ركود عالمي حاد، مع تأثيرات مدمرة على القطاعات الحيوية مثل السياحة والضيافة. وقد استجابت الحكومات بحزم تحفيز مالي غير مسبوقة، مما أدى إلى زيادة الديون السيادية إلى مستويات قياسية.

ويضيف الرميحي أنه في السنوات الأخيرة، بدأ الاقتصاد العالمي يظهر علامات التعافي، لكن التحديات لا تزال قائمة. الديون المرتفعة، والتضخم المتزايد، والتحديات البيئية مثل تغير المناخ، والتوترات الجيوسياسية المستمرة، كلها تشكل عقبات أمام النمو المستدام. ومع ذلك، هناك أيضًا فرص للابتكار والتحول الاقتصادي، مع التركيز المتزايد على الاقتصاد الأخضر والرقمي.

لذلك، يتطلب الوضع الاقتصادي العالمي الحالي تعاونًا دوليًا واستراتيجيات مبتكرة للتغلب على التحديات المتعددة وتحقيق نمو شامل ومستدام. ومن الضروري أن تعمل الدول معًا لإيجاد حلول للمشاكل الاقتصادية المعقدة التي تواجه العالم اليوم.

ومن ناحية الاقتصاد النسائي توضح لنا الخبيرة الاقتصادية السيدة مها المهندي أن تقلبات الاقتصاد العالمي أثرت بشكل كبير على سيدات الأعمال، وأن تحديات مثل التضخم المرتفع، وتقلب أسعار العملات، والتغيرات في السياسات التجارية الدولية، قد فرضت ضغوطًا جديدة على الشركات التي يدرنها. بالإضافة إلى ذلك، أدت جائحة كوفيد-19 إلى تعطيل سلاسل التوريد وتغيير أنماط الاستهلاك، مما أجبر العديد من سيدات الأعمال على إعادة النظر في استراتيجياتهن وأحيانًا حتى إعادة هيكلة أعمالهن بالكامل.

وتضيف المهندي أنه مع ذلك، استطاعت العديد من سيدات الأعمال التكيف مع هذه التحديات بمرونة وابتكار. لقد استخدمن التكنولوجيا لتحسين الكفاءة، وتوسيع نطاق الوصول إلى الأسواق الجديدة، وتطوير منتجات وخدمات جديدة تلبي الاحتياجات المتغيرة للعملاء. كما أظهرن قدرة على القيادة القوية والتحلي بالصبر في مواجهة الصعوبات، مما ساعد في تعزيز مرونة أعمالهن والحفاظ على استمراريتها.

 ومن ناحية أخرى يوضح الكاتب الصحفي في مجال الاقتصاد عامر المالكي أنه لا تزال هناك عقبات تواجه سيدات الأعمال، مثل الحصول على التمويل والموارد اللازمة للتوسع والنمو. البنوك والمؤسسات المالية أحيانًا تكون مترددة في تقديم القروض للشركات التي تديرها نساء، بسبب التحيزات الجنسانية أو المخاوف من المخاطر. بالإضافة إلى ذلك، تواجه العديد من سيدات الأعمال تحديات في تحقيق التوازن بين مسؤوليات العمل والأسرة، خاصة في ثقافات تتوقع تقليديًا من النساء تحمل العبء الأكبر من الرعاية والمسؤوليات المنزلية.

ويختم المالكي أنه رغم الصعوبات التي فرضتها الظروف الاقتصادية العالمية، فإن سيدات الأعمال قد أظهرن قدرة هائلة على الصمود والابتكار. ومع استمرار التغيرات الاقتصادية والاجتماعية، ستظل قصص نجاحهن مصدر إلهام للجميع، ودليلًا على أهمية دعم وتمكين المرأة في مجال الأعمال.

المشاريع الصغيرة والمتوسطة كحل لمشاكل الاقتصاد

تُعد المشاريع الصغيرة والمتوسطة الحجم ركيزة أساسية في تنمية الاقتصادات الناشئة والمتقدمة على حد سواء، حيث تلعب دورًا محوريًا في خلق فرص العمل، وتعزيز الابتكار، وتحفيز النمو الاقتصادي. في المملكة العربية السعودية، على سبيل المثال، يُسهم قطاع المشاريع الصغيرة والمتوسطة بشكل كبير في توليد النمو الاقتصادي، وخلق فرص عمل جديدة، وتنويع الاقتصاد، ودعم الابتكار التكنولوجي، مما يُعزز من تحقيق أهداف رؤية 2030.

ويشرح لنا أستاذ الاقتصاد بجامعة قطر الأستاذ الدكتور عبد الحميد المساكني أن هذه المشاريع تتميز بمرونتها العالية التي تمكنها من التكيف بسرعة مع التغيرات السوقية والتقنيات الجديدة، مما يجعلها في طليعة تبني الحلول التكنولوجية والمساهمة في ثقافة الابتكار، كما أن المشاريع الصغيرة والمتوسطة تُعتبر قاطرة التنمية الاقتصادية في عدد من الدول النامية  حيث تساعد في التحول من اقتصاد متخلف إلى اقتصاد صناعي متقدم، وتشكل قوة تنموية هائلة في الاقتصاد الوطني، وتلعب دورًا هامًا في توفير فرص العمل والتخفيف من حدة البطالة.

ويضيف المساكني أن المشروعات الصغيرة والمتوسطة تُعد أيضًا عاملًا حاسمًا في التنويع الاقتصادي، خاصةً في الدول التي تسعى للحد من الاعتماد على مصادر دخل تقليدية مثل النفط، حيث يمكن لهذه المشروعات أن تكون روادًا في قطاعات وصناعات جديدة، مثل الطاقة المتجددة والتكنولوجيا، والسياحة والرعاية الصحية، مما يسهم في خلق منظومة اقتصادية متوازنة ومستقرة.

ومن الجدير بالذكر أن الهيئات الدولية تقدم الدعم الفني والمالي لهذه المشاريع على مستوى العالم، مما يعكس الاعتراف بأهميتها في تحقيق التنمية الاقتصادية الشاملة. وفي منطقة الشرق الأوسط وشمال أفريقيا، تُقدم التقارير إرشادات قيمة للحكومات ومنظمات القطاع الخاص والهيئات المتعددة الأطراف لتكثيف الجهود لدعم المشاريع الصغيرة والمتوسطة كأدوات أساسية لخلق الوظائف والقدرة التنافسية.

بالإضافة إلى ذلك، تُعد المشاريع الصغيرة والمتوسطة مصدرًا هامًا للابتكار بفضل مرونتها وقدرتها على التكيف مع التغيرات السريعة، وتُسهم في تحقيق أهداف التنمية المستدامة من خلال تشجيع ثقافة الابتكار التي يمكن توسيعها بسهولة. وبالتالي، تعمل هذه المشاريع كعوامل مسرعة للتطوير الاقتصادي، وتُعزز من القدرة التنافسية للدول على المستوى الدولي.

حجم المشاريع الصغيرة والمتوسطة في الاقتصاد القطري

تُعد المشاريع الصغيرة والمتوسطة في دولة قطر ركيزة أساسية للنمو الاقتصادي، حيث تشكل نحو 97% من إجمالي الشركات في القطاع الخاص، وتُسهم هذه المشاريع بشكل ملحوظ في الناتج المحلي الإجمالي غير النفطي، بنسبة تتراوح بين 15 و17%. تتبنى دولة قطر استراتيجية تنموية تُركز على تعزيز ودعم المشاريع الصغيرة والمتوسطة، من خلال توفير بيئة استثمارية مُناسبة وسنّ القوانين والإجراءات التي تُسهل عملية تأسيس هذه المشاريع وتشجع على الابتكار والتنافسية.

ويوضح لنا السيد سلطان المانع مسئول العلاقات العامة بجهاز التخطيط والإحصاء أن السياسات الاقتصادية الفعالة تُظهر لدولة قطر اهتمامًا خاصًا بتطوير هذا القطاع الواعد، مُدركةً أن المشاريع الصغيرة والمتوسطة تُعتبر محركات أساسية للتنويع الاقتصادي وتحقيق الاستدامة. وقد أثبتت هذه المشاريع قدرتها على الصمود والتكيف مع التحديات الاقتصادية العالمية، مما يُعزز من مرونة الاقتصاد القطري ويُساهم في تحقيق رؤية قطر الوطنية 2030.

ويضيف المانع أن الشركات الصغيرة والمتوسطة في قطر تُعتبر مصدرًا هامًا للابتكار والتطوير، وتُساهم في خلق فرص عمل جديدة وتُعزز من النمو الاقتصادي المستدام. ومن خلال الدعم الحكومي المستمر والمبادرات الوطنية، تُواصل هذه المشاريع تعزيز دورها في الاقتصاد القطري، مما يُساعد في تحقيق التنمية الشاملة والمتوازنة للدولة.

سيدات الاعمال القطريات والمشاريع المتوسطة والصغيرة

في دولة قطر شهدت المشاريع الصغيرة والمتوسطة مساهمات ملحوظة من سيدات الأعمال القطريات اللواتي أثبتن كفاءتهن في مختلف القطاعات. وتُظهر الإحصائيات أن نسبة كبيرة من هذه المشاريع تُدار بواسطة نساء، مما يعكس التقدم الكبير في تمكين المرأة القطرية اقتصادياً. وتُعتبر رابطة سيدات الأعمال القطريات منصة مهمة لدعم وتمكين رائدات الأعمال، حيث تُقدم الرابطة الدعم والتوجيه والتدريب للسيدات الراغبات في دخول عالم الأعمال.

وتحدثنا السيدة فاطمة الدفع عضو مجلس إدارة الرابطة أنه من الأمثلة على المشاريع التي أنشأتها سيدات أعمال قطريات، مشاريع في مجالات متنوعة مثل التكنولوجيا، الخدمات الصحية، التعليم، والفنون. وتُعد هذه المشاريع دليلاً على الابتكار والإبداع الذي تتمتع به المرأة القطرية، وأنها تسهم بشكل فعال في تنويع مصادر الدخل الوطني ودعم الاقتصاد المحلي.

وتضيف الدفع أن المبادرات مثل “100 ملهمة قطرية” تُشير إلى الاعتراف بإنجازات سيدات الأعمال وتسليط الضوء على قصص نجاحهن، مما يُحفز الأجيال الجديدة من النساء على السعي لتحقيق أحلامهن الريادية. هذه المبادرات تُعزز من مكانة قطر كمركز للابتكار والريادة في المنطقة، وتُبرز دور المرأة كعنصر أساسي في هذا التطور.

بالإضافة إلى ذلك، توضح لنا السيدة ابتهاج الأحمداني عضو غرفة التجارة القطرية تُساهم الشراكات الاستراتيجية بين رابطة سيدات الأعمال القطريات ومؤسسات مالية وتعليمية في توفير الموارد والخبرات اللازمة لتطوير هذه المشاريع وضمان استدامتها. تُعد هذه الشراكات خطوة مهمة نحو تعزيز البيئة الداعمة لريادة الأعمال وتشجيع المزيد من النساء على المشاركة الفعالة في الاقتصاد.

وتختم الأحمداني انها شخصياً تُعتبر المشاريع الصغيرة والمتوسطة التي أنشأتها سيدات الأعمال القطريات مثالاً يُحتذى به في النجاح والتميز، وتُسهم بشكل كبير في تعزيز الاقتصاد القطري وتحقيق رؤية قطر الوطنية 2030، ومن خلال الابتكار والعزيمة، تُظهر هذه السيدات أنه بالإمكان تحقيق التقدم والازدهار في مجتمع يُقدر ويدعم المرأة الريادية.

كيف يمكن استخدام المشاريع المتوسطة والصغيرة لتمكين رائدات الاعمال القطريات

وعن ميزات استخدام المشاريع المتوسطة والصغيرة كأداة لتنمية قطاع الاعمال النسائي كماً وكيفاً يحدثنا الدكتور مايكل مورتيمر أستاذ الاقتصاد الجزئي وإدارة الاعمال بجامعة كارنيجي ميلون قطر أن المشاريع الصغيرة والمتوسطة تُعتبر حاضنة للأفكار المبتكرة وتوفر فرص عمل جديدة، وهي ضرورية لتنمية الاقتصاد واستمرارية دورة الإيرادات.

ويوضح السيد مورتيمر أن هذا النوع من المشاريع لها المرونة لمواكبة التغيرات، خاصة في مرحلة ما بعد جائحة كوفيد-19، وخاصة مع اعتماد هذه المشاريع على تمويل منخفض في المراحل الأولى من إنشائها. ويحدد السيد مورتيمر أن حوالي عشرة بنوك قطرية مهتمة بالتمويل الاستثماري حددت فئة المشاريع الصغيرة بأنها المشاريع التي تحتاج لما يقترب من 50 ألف ل 100 ألف ريال قطري كتمويل مبدئي لفترة عام لعام ونصف، بينما تعتمد نفس البنوك سياسة تمويلية تقر بأن المشاريع المتوسطة هي ما يحتاج لقروض تمويلية بين ال 100 ألف ل 500 ألف في فترة تتراوح بين العامين والثلاثة.

من ناحيتها تشرح السيدة عائشة الفردان نائبة رئيسة رابطة سيدات الاعمال القطريات أنه لتمكين رائدات الأعمال القطريات، يجب توفير بيئة داعمة تشمل تسهيلات لوجستية وتقديم حوافز للشركات الناشئة، وتضرب الفردان مثلاً بمنطقة الوكير اللوجستية، التي  تمتد على مساحة كبيرة وتحتضن مجموعة متنوعة من الأنشطة الصناعية، مما يوفر القاعدة المثلى للشركات الناشئة، وتشدد على ضرورة توفير امتيازات للشركات الصغيرة والمتوسطة لمواجهة التحديات خاصة في سنة العمل الأولى مثل إدارة سلسلة التوريد والخدمات اللوجستية المرتبطة بالمشروع.

الأمل الذي لا يجب أن نفقده

بخلاف كل ما سبق من توصيات وحقائق حول أهمية المشاريع الصغيرة والمتوسطة كأداة لتمكين رائدات الاعمال القطريات نرى أنه من الضروري أيضاً توفير فرص أفضل للحصول على التمويل، وهو ما طالبت به رائدات أعمال عربيات في المنتدى العالمي لرواد الأعمال للاستثمار، لتحقيق دور أكثر إنصافاً واستدامة في تطوير الأعمال. يجب على الحكومة وضع قواعد وأنظمة وسياسات معينة لدعم المرأة وتعزيز مشاركتها في مجال ريادة الأعمال.

وبالإضافة إلى ذلك، يمكن للتدريب والتطوير أن يلعب دوراً كبيراً في تمكين رائدات الأعمال. على سبيل المثال، تم تخريج عدد من رائدات الأعمال العربيات من دورة التمكين الاقتصادي للمرأة العربية، التي أجريت بصورة افتراضية عبر الإنترنت. هذه البرامج التدريبية تساعد في تطوير واستدامة وتنمية المشروعات.

في الختام، لتمكين رائدات الأعمال القطريات، يجب العمل على تطوير البنية التحتية والمناطق الصناعية واللوجستية، توفير التمويل والتدريب، وإنشاء بيئة تشريعية وتنظيمية داعمة. من خلال هذه الجهود المتكاملة، يمكن للمشاريع الصغيرة والمتوسطة أن تكون قوة دافعة لتمكين رائدات الأعمال وتحقيق النمو الاقتصادي المستدام في قطر.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *