تشهد قطر زخمًا متزايدًا في مجال التجارة الإلكترونية، وهو الزخم الذي استغلته سيدات اعمال قطريات بطرق مختلفة، في لفتة تؤكد أن رائدات الاعمال القطريات بتن قادرات على قراءة السوق القطري بمنتهى الحنكة، بحيث أصبحن مالكات نسبة هامة من هذا القطاع المتنامي، ويعكس حجم التجارة الإلكترونية التي تديرها السيدات في قطر تطورًا ملحوظًا في مشهد ريادة الأعمال النسائية.

الأرقام لا تكذب

1. نمو القطاع: وفقًا للبيانات الصادرة عن الجهات المختصة، وفي مقدمتها وزارة التجارة القطرية والغرفة التجارية بقطر، فإن حجم التجارة الإلكترونية التي تديرها السيدات في قطر يشهد نموًا سريعًا خلال السنوات الأخيرة، ومن المتوقع أن يبلغ حجم السوق الإلكتروني في قطر إلى أكثر من 10 مليارات ريال قطري بحلول عام 2025. ولا توجد إحصائيات دقيقة حول النسبة التي تملكها شركات تديرها سيدات قطريات من هذا السوق غير أن بعض التقديرات تضع النسبة بين 18 و22% من حجم السوق الإلكتروني

ويشير السيد حمد المري الخبير الاقتصادي بصحيفة الراية القطرية أن النمو المتصاعد لسوق التجارة الإلكترونية ارتبط بانتشار الثقافة الشعبية الحديثة المرتبطة بالإنترنت وخاصة عند فئات الشباب والشابات، وأن الدعم الفني لهذا القطاع بتوافر بعض أفضل خدمات الاتصالات في المنطقة، إضافة إلى الدعم القانوني المتمثل في تشريعات حماية المستهلك والبائع في الفضاء الإلكتروني، كلها سهلت نمو هذا القطاع بزخم متوازن فاق حتى حاجة المجتمع القطري.

وتضيف السيدة هيا المانع مالكة شركة لتسويق منتجات التجميل أن رائدات الأعمال القطريات استفدن من مناخ الثقة الشائع في السوق الإلكتروني القطري وفقاً لمعايير الشفافية والنزاهة التجارية التي نص عليها القانون القطري، كما أثبتت جائحة كورونا أنها كانت دفعة غير محسوبة للمتاجر الإلكترونية بسبب حظر التجول والاختلاط في الأماكن العامة الذي دفع الكثير من العملاء إلى المتاجر الإلكترونية.

2. أنماط الشراء: تشير البيانات إلى أن السيدات في قطر يميلن إلى التسوق عبر الإنترنت بشكل متزايد، حيث يفضلن الراحة والسهولة التي توفرها التجارة الإلكترونية. وتشمل المنتجات الأكثر شيوعًا التي يشترونها الملابس والمستلزمات الشخصية والإلكترونيات.

ويؤكد سلطان المالكي الباحث الاقتصادي القطري أن أنماط الشراء القطرية الخاصة بالمتاجر الإلكترونية التي تديرها سيدات توسعت في الفترة الأخيرة لتخرج من نطاق الملابس وأدوات التجميل والإكسسوار، إلى المأكولات الشعبية واللوحات الفنية ومستلزمات الديكور، وبدأت تصل اليوم إلى المنتجات التي يتم شراءها من متاجر عالمية ليس لها توكيلات في قطر.

وأوضح المالكي أن التطور الذي شهده القطاع التقني والمصرفي سهلا للمواطنات القطريات الراغبات في دخول مجال التجارة الإلكترونية خوض التجربة، خاصة مع انتباه المصارف القطرية إلى ضرورة تمويل السيدات القطريات الراغبات في افتتاح متاجرهن الإلكترونية، والتي وفرت تكاليف إقامة المقرات الثابتة كالمحلات وغيرها عليهن.

وتسهب شمس القصابي، مالكة متجر “شاي الشموس” للمأكولات الشعبية في هذه النقطة، فتؤكد أن أحد أهم العوائق التي واجهتها عندما فكرت للمرة الأولى في خوض تجربة العمل هي ضرورة وجود مقر لها لعرض سلعتها، ولكن الفضاء الإلكتروني ألغى هذه المشكلة من جذورها، وسمح لها بأن تستغل تمويلها المحدود في إدارة موقع إلكتروني تفاعلي متميز، والتركيز على رفع جودة منتجاتها.

وبالنسبة لعرض المنتجات توضح القصابي أن المعارض المستمرة التي أقامتها جهات قطرية مختلفة كانت كافية للعرض وجذب الجمهور. كما أتاحت لها أدوات عدة في التجارة الإلكترونية سهولة التواصل مع عملائها للحصول على آرائهم وتسويق منتجاتها بتكلفة أقل ومدى أوسع للوصول لقاعدة عملائها المستهدفين.

3. مجالات الريادة: يشمل قطاع التجارة الإلكترونية في قطر مجموعة متنوعة من الشركات التي تديرها السيدات، بدءًا من البائعين الصغار والمتوسطين على منصات التجارة الإلكترونية مثل “كارفور أونلاين” و”لازادا”، وصولاً إلى العلامات التجارية الفاخرة والمتاجر الرئيسية التي تديرها سيدات الأعمال القطريات.

وفي هذا الصدد توضح السيدة عائشة الفردان نائب رئيس رابطة سيدات الاعمال القطريات أن اقتحام السيدات القطريات لمجال التجارة الإلكترونية أتى متأخراً نسبياً عن نظيراتهن في منطقة الخليج والعالم العربي، بحيث بدأت أولى المتاجر الإلكترونية لشركات تملكها سيدات أعمال قطريات في العام 2010، واقتصرت في ذلك الوقت على إيصال منتجات يتم طلبها من متاجر أوروبية، وترافق مع هذه النشاطات نشاطات تجارية محدودة في مجال ترويج الأزياء الشعبية والديكورات المنزلية والأغذية والتوابل والعطور المصنعة يدوياً.

وتعترف الفردان بأن أشد المتفائلين بنجاح التجارة الإلكترونية النسائية في قطر لم يكن يتخيل أن يصل حجم التعاملات في المجال إلى قرابة المليارين ريال قطري في الأعوام الثلاثة الماضية، ولكن عوامل مختلفة ساهمت في انتشار المتاجر الإلكترونية النسائية منها سهولة تصفح منتجاتها، وأزمة كورونا، والتشريعات القانونية التي أمنت بيانات العملاء.

التحديات قديماً وحديثاً

التحديات تواجه السيدات العاملات في مجال التجارة الإلكترونية في قطر هي التحديات نفسها التي تواجه زميلاتهن في الأسواق العالمية، مثل المنافسة الشديدة وضغط التكاليف والتسويق الفعّال.

وفي هذا الصدد يقول الباحث القانوني محمد سالم الهاجري أن سيدات الأعمال القطريات تواجههن تحديات فيما يتعلق بالتشريعات والقوانين المحلية المتعلقة بالتجارة الإلكترونية، مما قد يؤثر على عمليات الشراء والبيع عبر الإنترنت وقدرتهن على تقديم الخدمات بشكل مستقل. ويوضح الهاجري أن التشريعات القانونية لا تحمي حتى اللحظة البائعين أو الموردين من مشاكل تتعلق برفض البنوك لتصديق على حالات خطا الدفع الإلكتروني، ومشاكل سرقة الهوية.

وفي السياق ذاته تحدثنا فاطمة مسعود المانع عن تجربتها في بداية مشروعها البسيط لترويج العباءات القطرية المصنوعة يدوياً، والتي واجهت فيها مشاكل قانونية بسبب رغبة بعض العملاء إعادة مشترياتهم بعد تجاوز مدة الاستبدال والبيع القانونية، والتي وصلت لحد رفع القضايا عليها للمطالبة باسترداد المبالغ المدفوعة واتهامها بتضليل العملاء، وهو ما دفعها بدورها لرفع دعاوي رد السمعة. وتقول فاطمة أن سرعة الإجراءات القضائية كانت الحسنة الوحيدة التي مرت بها في هذه التجربة، لكنها كانت تأمل في تشريعات قانونية تنهي الأمر قبل أن يتحول لمواجهات قضائية مع بعض زبائنها.

و تضيف المحررة الاقتصادية بجريدة الشرق مريم الدوسري أن التحديات التقنية والمالية باتت الآن أقل ما يشغل بال سيدات الأعمال القطريات المقبلات على التجارة الإلكترونية، فبعد ان كانت الأمور في الجانب التقني متعسرة بسبب نقص الكفاءات العاملة على إعداد مواقع التجارة الإلكترونية، فإن تنامي حجم الأعمال في القطاع جذب عدة شركات خليجية لفتح فروع لها في قطر، بعد تجارب ناجحة في إطلاق مواقع تجارة إلكترونية في دول مختلفة كالإمارات العربية المتحدة و المملكة العربية السعودية.

وتؤكد الدوسري انها كانت أحد المهتمات بتجربة المواقع الإلكترونية القطرية منذ البداية، ولاحظت  التطور الكبير في محتواها، خاصة بإضافة خاصية الدفع الإلكتروني والتعريف بالمنتجات و طريقة صناعتها، بلب والتعريف أحياناً بسيدة الأعمال صاحبة المنتجات.

آفاق المستقبل

لا يمكن حصر الفرص التي تمنحها التجارة الإلكترونية لسيدات الاعمال خاصة الناشئات منهن خاصة فيما يتعلق بالتسويق الإلكتروني والدعاية و الإعلان غير المكلفتين، و في هذا الإطار يقول الأستاذ حسن الأصفهاني المحلل الاقتصادي بجريدة العرب القطرية إن أساليب الداعية والتسويق الإلكترونية نجحت في تقليص نفقات الدعاية لبعض الشركات الناشئة للسيدات بما قيمته 50% من تكاليف الدعاية للشركات المقامة في الفضاء الواقعي. و يضيف الأصفهاني إن التجارة الإلكترونية أضافت بعداً إنسانياً غريباً في الحلات القطرية التي قما بدراستها حيث استفادت السيدات القطريات من علاقاتهن الشخصية كالقرابة أو زمالة الدراسة أو العمل في الترويج لمنتجاتهن بين أفردا أسرهن وأصدقائهن، و الحصول على طلبات مباشرة لمنتجاتهن، وهي حالة فريدة لا تتحقق إلا بالسهولة التي تمنحها الأدوات الإلكترونية في الاتصال وفي مجتمع صغير الحجم نسبياً كالمجتمع القطري.

من ناحية أخرى تشرح لنا السيدة ابتهاج الأحمداني رئيسة رابطة سيدات الاعمال القطريات أن التجارة الإلكترونية تفتح آفاقاً لا نهائية لسيدات الأعمال القطريات لتوسيع حجم معاملاتهن و تجاوز الحدود القطرية، وذلك باستخدام منصات التجارة الإلكترونية الإقليمية مثل نون أو العالمية مثل أمازون وإيباي. وتقول الأحمداني أنها تقوم من خلال ندوات تثقيفية بترسيخ فكرة ضرورة التوسع الحذر في حجم الأعمال مع ناشئات قطاع الأعمال القطريات، موضحة أن حجم السوق المستهدف للمنتجات القطرية خاصة في مجال الأزياء و المنتجات المنزلية يتجاوز بأضعاف ما قد يقدمه المجتمع القطري.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *